الشيخ عبد الغني النابلسي
244
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
عِنْدِنا وَذِكْرى لِلْعابِدِينَ ( 84 ) [ الأنبياء : 83 - 84 ] . فعلمنا من ذلك أن العبد المؤمن إذا دعا اللّه تعالى في كشف الضر والسوء عنه لا يقدح ذلك ، أي لا ينقص ولا يطعن في صبره على ذلك الضر والسوء فإنه ، أي ذلك العبد مع طلبه من اللّه تعالى وتضرعه في إزالة ضره عنه صابر على ما أصابه به وأنه ، أي ذلك العبد حينئذ نعم العبد كما قال تعالى في أيوب عليه السلام : إِنَّا وَجَدْناهُ صابِراً نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ، أي رجاع ، من نفسه إلى اللّه تعالى على وجه الكثرة فإذا كان بنفسه دعا اللّه تعالى في إزالة الضر عنه ثم رجع إلى اللّه تعالى فترك الدعاء وقام بالتفويض إليه سبحانه والتوكل عليه ، ثم كان بنفسه وقام بالأسباب ، ثم رجع ذلك وتكرر منه هذا الحال ، فهو أوّاب صيغة مبالغة من آب إذا رجع ، ورجوعه في كل مرة إلى اللّه تعالى لا إلى الأسباب من نفسه ودعائه ونحو ذلك بل من الأسباب إلى مسببها تعالى وهي أكمل الأحوال ، لأنها قيام بالحق تعالى من حيث أسماؤه كلها لا بعضها ، فإنه إذا كان في الأسباب قام باسمه تعالى الْأَوَّلُ ، وَالْباطِنُ وإذا أعرض عن الأسباب قام باسمه تعالى الآخر والظاهر ، وهذه الأسماء الأربعة أمهات الأسماء الفاعلة وغيرها . والحق تعالى يفعل عند ذلك ، أي عند رجوع العبد إليه سبحانه بالسبب وهو رجوع العبد إليه لأن العبد يستند إليه ، أي إلى الحق تعالى في حال رجوعه إليه سبحانه فيكون ذلك الإسناد سببا يفعل اللّه تعالى به ما يريد لعبده إذ الأسباب المزيلة لأمر ما يعني أي أمر كان حسي أو معنوي كثيرة جدا والمسبّب لتلك الأسباب كلها واحد العين ، أي الذات لا كثرة فيه أصلا وهو الحق تعالى . * * * فرجوع العبد إلى الواحد العين المزيل بالسّبب ذلك الألم أولى من الرّجوع إلى سبب خاصّ ربّما لا يوافق علم اللّه فيه . فيقول إنّ اللّه لم يستجب لي وهو ما دعاه ، وإنّما جنح إلى سبب خاصّ لم يقتضه الزّمان ولا الوقت . فعمل أيّوب بحكمة اللّه تعالى إذ كان نبيّا . لمّا علم أنّ الصّبر هو حبس النّفس عن الشّكوى عند طائفة وليس ذلك بحدّ الصّبر عندنا ، وإنّما حدّه حبس النّفس عن الشّكوى لغير اللّه لا إلى اللّه . فحجب الطّائفة نظرهم في أنّ الشّاكي يقدح بالشّكوى في الرّضا بالقضاء ،